مركز الدراسات اللبنانية بالتعاون مع الهيئة اللبنانية للتاريخ تتناول الصراع حول مناهج التاريخ

“الصراع حول منهج التاريخ: تجربة لبنان وانكلترا” كان موضوع اللقاء الذي نظمته الهيئة اللبنانية للتاريخ بالتعاون مع مركز الدراسات اللبنانية ودائرة التاريخ والآثار في الجامعة الأميركية في بيروت. تضمّن اللقاء محاضرتين ألقاهما كلّ من كريستين كاونسل من جامعة كمبريدج ود.سيمون عبد المسيح من الجامعة اللبنانيّة حبث تم التركيز على تجارب البلدين في صناعة مناهج التاريخ. افتتحت رئيسة دائرة التاريخ والآثار د. ناديا الشيخ الجلسة بالترحيب بالحضور وتلتها د. مهى شعيب، رئيسة الهيئة، التي قدمت للموضوع ولفتت إلى أنّ مشكلة التدخلات الساسيّة في إقرار مناهج التاريخ لا تنحصر بلبنان مشيرة إلى أهميّة الاطلاع على تجارب دول أخرى كالمملكة المتحدة. كما ربطت شعيب الموضوع بأهداف الهيئة التي تسعى إلى اطلاق حوار وطني حول منهج التاريخ داعية إلى إعادة النظر في المنهج الذي يحتاجه اللبنانيون اليوم ومراجعة فكرة اصدار كتب تاريخ تتضمّن رواية واحدة هشة.

أولاً مداخلة لافتة بعنوان “أساتذة التاريخ مطوّرون للمناهج: تشكيل مناهج التاريخ في انكلترا” لكريستين كاونسيل التي بدأت قائلة “حروب كثيرة تجري في دول عديدة حول منهج التاريخ ففي انكلترا مثلاً أثارت كلّ مناهج التاريخ التي اقترحت موجات اعتراض وصراعات على المستوى الوطني” لكنّ “ما يجري في الظاهر يختلف عن واقع الأمر، فكلّ وزير يدعي أنّه قام بتغييرالمنهج إنمّا الواقع غير ذلك لأنّ النقاش المهمّ التي يتناول أهداف المنهج ومحتواه وطرائق التعليم هو النقاش الذي يجريه أساتذة التاريخ الحاليون أو السابقون فيما بينهم”. من هنا ركّزت على دور المعلّمين في انكلترا في تغذية النقاش حول المنهج وتطبيقاته فالمعلّمون هو من يقومون بتطوير المنهج في صفوفهم ثمّ يقدمون التغذية الراجعة التي تساهم في النقاش الوطني”. ومن خلال هذا الدور تقول كاونسيل “نجحنا نحن أساتذة التاريخ في فرض دورنا على القطاع الرسمي، فأدركت الحكومات المتتالية أنّ صلب النقاش حول المنهج ليس سياسياً إنماُ مهنياً. فالنقاش السياسي عادة ما يكون حول المحتوى التاريخي إنّما النقاش التربوي هو الذي يتناول التفكير التاريخي، والهدف هو جعل التلاميذ قادرين عندما يكبرون على المشاركة في هذا النقاش التاريخي”. ومن خلال عرضها للوقائع أظهرت كاونسيل كيف نجح المعلّمون في انكلترا في ادخال المفاهيم التاريخية والعمليات الفكرية النقدية إلى منهج سنة 2008، وذلك من خلال استعمالها في الصف وجعلها جزءاً لا يتجزأ من عملية تعليم التاريخ في المدارس بحيث دفعوا القيّمين على وضع المناهج الى ادخالها في عملية صناعة المنهج. وبهذا لم يعد تعليم التاريخ مجرّد نقل لرواية واحدة أو لروايات عديدة إنّما يتضمّن تحليلاُ لهذه الروايات بحيث يُنشأ “المتعلّم ليفكّر كالمؤرّخ الذي يتقصّى الأدلة التاريخيّة ويحلّلها ويقارن فيما بينها ليطوّر رواية جديدة” وهنا يتحوّل دور المعلّم من ناقل للمعرفة إلى ميسّر للعمليات الفكريّة النقديّة التي تتمحور حول مجموعة من المفاهيم التاريخية أهمّها السببيّة، والتغيّر والاستمراريّة، والتنوّع وترتكز على الأدلة التاريخية والنقاشات والتفسيرات. ختمت كاونسيل بالإضاءة على الدور الفعال الذي لعبه أساتذة التاريخ في انكلترا في التأثير على السياسات التربوية بعد أن تبلورت فيما بينهم “جماعة من المعلّمين يفكرون بالمناهج ويؤثّرون عليها، وهو دور لا بد أن يلعبه المعلّم في أي بلد” وبعد أن أقنعوا صانعي السياسات بضرورة مقاربة الموضوع مقاربة علميّة موضوعيّة.

وبدوره عالج الدكتور سيمون عبد المسيح في مداخلته بعنوان ”صناعة منهج مادة التاريخ في لبنان في المرحلة الإنتقالية“ (1990- 2015) الموضوع منذ العهد العثماني وحتى يومنا هذا وأظهر ما كان من أثر للتغييرات السياسية في لبنان والمنطقة على محتوى مناهج التاريخ وأهدافها. تناول عبد المسيح المنهجيات والإشكاليات والمسار البحثي في هذا الموضوع، معرفاً بمفهوم المرحلة الإنتقالية ومن عناصره تغير الأنماط السياسية والإيديولوجية، والظروف الإقليمية والدولية، وغياب قوة مركزية داخل النظام بسبب توزع مراكز السلطة… أما “المنهج فهو كرونولوجي يهدف الى تتبع ومقارنة الظروف السياسية والثقافية والإيديولوجية المحيطة بوضع مناهج التاريخ بين 1924 و”2010. ركّز المحاضر على خصوصية أزمة ولادة منهج مادة التاريخ بعد 1990 (دون أن يعني هذا يسرا في موجات المناهج السابقة)، ملاحظا العلاقة بين الأزمة وتراكم الإنتاج المعرفي حولها. أما المادة الخام التي تم العمل عليها فتمثلت في معاينة مضامين الأنشطة والنتاجات الأكاديمية والإعلامية (المكتوبة والمرئية والإلكترونية) والسياسية المتزامنة مع موجات إصلاح المناهج.واعتماد نصوص المشاركين في وضع المنهج أو في الإشراف عليه (مع صعوبة في تحقيق التوازن في عرض كل منها بحسب حجم المادة التي كتبت، او قدرة الباحث على تجميعها..). كما عرض د. عبد المسيح لتطور مناهج التاريخ في لبنان في المرحلتين العثمانية والفرنسية، وخلال المرحلة الإستقلالية (1946، 1968-1971،) متوقفا عند أسباب وضعها وأبرز تحولاتها، مقيما إيجابياتها وسلبياتها، والجدل الذي دار حولها، وبخاصة توجهاتها الأساسية: العاطفية وليس العلمية، الفينيقية، السلفية (المتعلقة بالأجداد)،والغربية..محللا الأهداف القصدية أو اللاواعية لهذه التوجهات. ختاماً كانت له محاولة لتحليل منهج التاريخ لعام 2000 وفق مصفوفة تحليل المناهج عامة (التوافق، المدى والتتابع، الصلاحية والملاءمة..)، معتبرا أن مشروع منهج 2010 قد حقق تطورا بالمقارنة مع سابقه في مسألتين أساسيتين : المسألة الإبستمولوجية (المعرفية)، والمسألة الميتودولوجية (الطرائقية). أمّا الاقتراخات التي قدّمها للخروج من أزمة مناهج التاريخ فتضمّنت “حل العلاقة التبادلية بين أزمة النظام السياسي وأزمة منهج التاريخ لا سيّما غياب إيديولوجيا وطنية جامعة، وفقدان القوة الدافعة داخل النظام، والتأكيد على نوعية كتاب التاريخ الموحّد ومضمونه العلمي والديمقراطي والتربوي، واعتماد منهج مرن يقارب التاريخ إشكالياً وليس سردياً ويحافظ على تماسكه المؤسساتي والمعرفي والتربوي ويركّز من خلاله على التاريخ الإجتماعي والإقتصادي والثقافي”. ذكّر عبدالمسيح أنّه منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم، تمّ تشكيل أربع لجان فشلت جميعها في الوصول إلى منهج متوافق عليه، وللأسف ومع تتالي اللجان كان التدخل السياسي في عملية صياغة المنهج يزداد ويزداد حتى وصل الى تشكيل اللجنة الأخيرة بناء على اقتراحات الأحزاب إسوة بما يحصل في مؤسسات القطاع العام. كما نوّه بالدور الهام للمؤرخين الذين سلطوا الدور على جوانب جديدة من تاريخنا وبلوروا تأويلات جديدة تفرض علينا إعادة النظر في “الرواية التي كانت معتمدة سابقاً” وبلورة مناهج تأخذ بعين الاعتبار هذا الفهم الجديد للتاريخ.

ختم اللقاء بمناقشة حول التجارب التي عرضت وإلى إعادة فتح حوار بين المعلّمين والقيمين على السياسات التربوية بهدف الوصول إلى منهج عصري يقارب التاريخ على أنّه مجال معرفي قائم بحد ذاته، منهج يلاقي طموحات الطلاب الذين أصبحوا من خلال الانترنت على مقربة “زر” من أي معلومة إنما ما يحتاجون إليه فهو طرائق التفكير التاريخي الذي تعتمد النقد الموضوعي والبحث العلمي.